الجصاص
614
أحكام القرآن
قيل له : هذا أحد ما انتظمته الآية ، ولا دلالة فيه على أن أول الخطاب في الرجعى دون البائن ، وهو مثل قوله : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) [ البقرة : 228 ] ، وهو عموم في البائن والرجعي . ثم قوله : ( وبعولتهن أحق بردهن ) [ البقرة : 228 ] إنما هو حكم خاص في الرجعي ، ولم يمنع أن يكون قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) [ البقرة : 228 ] عاما في الجميع . واحتج ابن أبي ليلى بحديث فاطمة بنت قيس ، وسنتكلم فيه عند ذكر نفقة المبتوتة إن شاء الله تعالى . واختلف فقهاء الأمصار في نفقة المبتوتة ، فقال أصحابنا والثوري والحسن بن صالح : " لكل مطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العدة حاملا كانت أو غير حامل " . وروي مثله عن عمر وابن مسعود . وقال ابن أبي ليلى : " لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة " ، وروي عنه أن لها السكنى ولا نفقة لها . وقال عثمان البتي : " لكل مطلقة السكنى والنفقة وإن كانت غير حامل " وكان يرى أنها تنتقل إن شاءت . وقال مالك : " للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا " ، وروي عنه أن عليه نفقة الحامل المبتوتة إن كان موسرا وإن كان معسرا فلا نفقة لها عليه . وقال الأوزاعي والليث والشافعي : " للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا " . قال الله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) ، وقد تضمنت هذه الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ثلاثة أوجه ، أحدها : أن السكنى لما كانت حقا في مال وقد أوجبها الله لها بنص الكتاب إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية ، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذ كانت السكنى حقا في مال وهي بعض النفقة . والثاني : قوله : ( ولا تضاروهن ) والمضارة تقع في النفقة كهي في السكنى . والثالث : قوله : ( لتضيقوا عليهن ) والتضييق قد يكون في النفقة أيضا ، فعليه أن ينفق عليها ولا يضيق عليها فيها . وقوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) قد انتظم المبتوتة والرجعية ، ثم لا تخلو هذه النفقة من أن يكون وجوبها لأجل الحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته ، فلما اتفق الجميع على أن النفقة واجبة للرجعية بالآية لا للحمل بل لأنها محبوسة عليه في بيته وجب أن تستحق المبتوتة النفقة لهذه العلة ، إذ قد علم ضمير الآية في علية استحقاق النفقة للرجعية ، فصار كقوله : فأنفقوا عليهن لعلة أنها محبوسة عليه في بيته ، لأن الضمير الذي تقوم الدلالة عليه بمنزلة المنطوق به . ومن جهة أخرى وهي أن نفقة الحامل لا تخلو من أن تكون مستحقة للحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته ، فلو كانت مستحقة للحمل لوجب أن الحمل لو كان له مال أن ينفق عليها من ماله كما أن نفقة الصغير في مال نفسه ، فلما اتفق الجميع على أن الحمل إذا كان له مال كانت نفقة أمه